يقف كثير من الرجال أمام رفوف عطور رجالية فاخرة ثم يحسمون الاختيار بعد رشة واحدة على ورقة اختبار، ليكتشفوا بعد أيام أن الرائحة على أجسادهم تختلف عما أعجبهم في المتجر. السبب في الغالب أن العطر يُقيَّم في لحظته الأولى فقط، مع أنه يتكشف على مراحل. فهم هذه المراحل هو الطريق العملي لاختيار عطر يشبهك.
المقصود هنا ليس مزج أكثر من عطر، بل ما يسميه العطارون الهرم العطري، وله ثلاث طبقات. في القمة النفحات العليا، وهي أول ما تشمه عند الرش، وغالبا ما تكون حمضيات أو أعشابا منعشة تتبخر أسرع من غيرها. في الوسط نفحات القلب، وفيها تظهر شخصية العطر الأساسية من زهور أو توابل أو فواكه. وفي القاعدة النفحات الأساسية، مثل الأخشاب والمسك والعنبر، وهي الأبطأ تبخرا والأطول بقاء على الجلد.
تنسب مراجع العطارة هذا التصنيف إلى العطار الفرنسي جان كارل، الذي رتب المواد بحسب سرعة تبخرها. لكن الهرم أداة تعليمية أكثر منه جدولا زمنيا صارما، ففي العطور المتقنة قد تلمح شيئا من القاعدة منذ الرشة الأولى، وقد تتداخل الطبقات معا. لذلك لا تحكم على عطر من افتتاحيته وحدها.
نُشرت عام 2012 في مجلة PLOS ONE دراسة تشير إلى أن العطر يتفاعل مع رائحة الجسم ليكوّن مزيجا خاصا بكل شخص، وأن الناس يميلون إلى اختيار عطور تنسجم مع رائحتهم الطبيعية. وهذا قد يفسر لماذا يبدو العطر نفسه دافئا على صديقك وحادا عليك.
وهناك عامل آخر يربك المقارنة، هو التركيز. فلا توجد قواعد رسمية موحدة لنسب التركيز، وتختلف من دار عطور إلى أخرى ومن إصدار إلى آخر. فإذا جربت ماء عطر من دار ما وماء تواليت من دار أخرى، فأنت تقارن تجربتين مختلفتين في القوة والثبات. والأفضل أن تقارن النسخ المتشابهة، وأن تجرب الإصدار الذي تنوي شراءه بالضبط.
ابدأ بورقة الاختبار لتأخذ انطباعا أوليا وتستبعد ما لا يناسبك سريعا، مع رش العطر عليها من مسافة معقولة. لا تجرب أكثر من ثلاثة إلى خمسة عطور في الجولة الواحدة، لأن الأنف يتعب ويختلط عليه الحكم. بعد ذلك اختر عطرا أو اثنين فقط للتجربة على الجلد، على الرسغ أو ظهر اليد، ولا تفرك الموضع بعد الرش.
ثم امنح العطر وقته. غادر المتجر، وعد إلى الرائحة بعد فترة لتتعرف على القلب، ثم في آخر النهار لتحكم على القاعدة. وإذا كنت تميل إلى الروائح العميقة، فهذه الخطوة أهم، لأن مكونات مثل العود والعنبر التي تميز أفخم الروائح الشرقية للرجال تزداد عمقا كلما استقر العطر على الجلد.
لا يوجد دليل علمي على أن عائلة عطرية معينة تناسب نمطا محددا من الشخصيات. التعبير عن الشخصية هنا قرار أسلوب، يبدأ من سؤالين: أين سترتدي العطر، وما الانطباع الذي تريد تركه؟ رجل يقضي يومه في اجتماعات قد يفضل رائحة هادئة لا تسبقه إلى الغرفة، بينما يبحث آخر عن حضور أوضح في مناسبات المساء.
مثال افتراضي: رجل أعجبته افتتاحية حمضية منعشة، لكنه لاحظ في آخر النهار أن القاعدة خشبية دافئة وناعمة. هذا الاكتشاف قد يجعله يعيد التفكير، فربما كانت تلك القاعدة الهادئة هي ما يجذبه حقا. ومع تغير الطقس قد يضيف إلى مجموعته خيارا من عطور الشتاء الدافئة للرجال للأمسيات الباردة.
العطر الذي يعبر عنك هو الذي يعجبك في طبقاته الثلاث، وينسجم مع كيمياء جلدك، ويناسب المواقف التي تعيشها فعلا. وحتى بين عطور رجالية فاخرة تحمل أسماء كبيرة، يبقى انطباعك في آخر اليوم أصدق من دهشة الرشة الأولى، وهذا الانتباه للتفاصيل جزء من أسلوب حياة الرجل، وتتابعه مجلة رجال في موضوعات العطور والأناقة.